فخر الدين الرازي
77
تفسير الرازي
فإن مشاهدة القبور تورث ذلك على ما قال عليه السلام : " كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإن في زيارتها تذكرة " ثم إنكم زرتم القبور ، بسبب قساوة القلب والاستغراق في حب الدنيا فلما انعكست هذه القضية ، لا جرم ذكر الله تعالى ذلك في معرض التعجيب . والقول الثاني : أن المراد هو التكاثر بالمال واستدلوا عليه بما روى مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه ، أنه عليه السلام كان يقرأ : * ( ألهاكم ) * وقال ابن آدم : يقول مالي مالي ، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت ، والمراد من قوله : * ( حتى زرتم المقابر ) * أي حتى متم وزيارة القبر عبارة عن الموت ، يقال لمن مات : زار قبره وزار رمسه ، قال جرير للأخطل : زار القبور أبو مالك فأصبح ألأم زوارها أي مات فيكون معنى الآية : ألهاكم حرصكم على تكثير أموالكم عن طاعة ربكم حتى أتاكم الموت ، وأنتم على ذلك ، يقال حمله على هذا الوجه مشكل من وجهين الأول : أن الزائر هو الذي يزور ساعة ثم ينصرف ، والميت يبقى في قبره ، فكيف يقال : إنه زار القبر ؟ والثاني : أن قوله : * ( حتى زرتم المقابر ) * إخبار عن الماضي ، فكيف يحمل على المستقبل ؟ والجواب : عن السؤال الأول أنه قد يمكث الزائر ، لكن لا بد له من الرحيل ، وكذا أهل القبور يرحلون عنها إلى مكان الحساب والجواب : عن السؤال الثاني من وجوه أحدها : يحتمل أن يكون المراد من كان مشرفاً على الموت بسبب الكبر ، ولذلك يقال فيه : إنه على شفير القبر وثانيها : أن الخبر عمن تقدمهم وعظاً لهم ، فهو كالخبر عنهم ، لأنهم كانوا على طريقتهم ، ومنه قوله تعالى : * ( ويقتلون التبيين ) * وثالثها : قال أبو مسلم : إن الله تعالى يتكلم بهذه السورة يوم القيامة تعييراً للكفار ، وهم في ذلك الوقت قد تقدمت منهم زيارة القبور . القول الثالث : * ( ألهاكم ) * الحرص على المال وطلب تكثيره حتى منعتم الحقوق المالية إلى حين الموت ، ثم تقول في تلك الحالة : أوصيت لأجل الزكاة بكذا ، ولأجل الحج بكذا . القول الرابع : * ( ألهاكم التكاثر ) * فلا تلتفتون إلى الدين ، بل قلوبكم كأنها أحجار لا تنكسر البتة إلا إذا زرتم المقابر ، هكذا ينبغي أن تكون حالكم ، وهو أن يكون حظكم من دينكم ذلك القدر القليل من الانكسار ، ونظيره قوله تعالى : * ( قليلاً ما تشكرون ) * أي لا أقنع منكم بهذا القدر القليل من الشكر . المسألة السادسة : أنه تعالى لم يقل : * ( ألهاكم التكاثر ) * عن كذا وإنما لم يذكره ، لأن المطلق أبلغ في الذم لأنه يذهب الوهم فيه كل مذهب ، فيدخل فيه جميع ما يحتمله الموضع ، أي : ألهاكم التكاثر عن ذكر الله وعن الواجبات والمندوبات في المعرفة والطاعة والتفكر والتدبر ، أو نقول : إن نظرنا إلى ما قبل هذه الآية فالمعنى : ألهاكم التكاثر عن التدبر في أمر القارعة والاستعداد لها قبل الموت ، وإن نظرنا إلى الأسفل فالمعنى ألهاكم التكاثر ، فنسيتم القبر حتى زرتموه .